ابن عجيبة

539

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

القيامة ، ومن سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً أي : مقتدرا من أقات على الشيء : إذا قدر عليه ، أو شهيدا حافظا فيجازى على قدر الأعمال . ومن هذا أيضا : السلام ، فإنه سبب في ثواب الرد ، لذلك ذكره الحق في سلك الدلالة على الخير فقال : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها بأن تقولوا : وعليكم السلام والرحمة والبركة ، أَوْ رُدُّوها بأن تقولوا : وعليكم السلام . وفي الخبر : « من قال لأخيه المسلم : السّلام عليكم ، كتب الله له عشر حسنات ، فإن قال : السّلام عليكم ورحمة الله ، كتب الله له عشرين حسنة ، فإن قال : وبركاته ، كتب الله ثلاثين » ، وكذلك لمن ردّ ، فإن اقتصر على السلام ، فعشر ، وهكذا . . فإن ذكر المسلم الرحمة والبركة ، قال الرادّ : وعليكم ، فقط ، إذ لم يبق ما يزاد ، ورد السلام واجب على الكفاية ، حيث يكون مشروعا ، فلا يرد في الخطبة ، وقراءة القرآن ، والذكر والتفكر ، والاعتبار ، ونظرة الشهود والاستبصار ، لأنه يفتر ويشوش ، وفي الحمام إذا كانوا عراة ، وفي حال الجماع والأكل والشرب وغيرها من المسائل المستثناة . وقد نظمه بعضهم ، فقال : ردّ السّلام واجب إلا على * من في الصّلاة أو بأكل شغلا أو شرب أو قراءة أو أدعيه * أو ذكر أو خطبة أو تلبيه والسلام من تحية أهل الإسلام ، خاصّ بهم . لذلك استغرب الخضر - عليه السلام - سلام سيدنا موسى عليه السّلام فقال له : « وأنّى بأرضك السّلام » ، وكذلك خليل الله إبراهيم عليه السّلام ، إنما أنكر الملائكة حيث سلموا عليه بتحية أهل الإسلام ؛ لأنه كان بين أظهر قوم كفار ، أما سلام أبي ذر على النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتحية أهل الإسلام ، قبل أن يسلم ، فلعله سمعه من بعض الصحابة قبل أن يسلم ، أو إلهام من الله . والله تعالى أعلم . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً يحاسبكم على التحية وغيرها . وبالله التوفيق . الإشارة : فجاهد أيها الإنسان نفسك في سبيل الله ، لا تكلف إلا إصلاحها وتزكيتها ، وحرض من يسمع قولك من المؤمنين على جهاد أنفسهم ، عسى الله أن يكف عنهم القواطع والعلائق ، فيتأهلون لإشراق قلوبهم بأنوار الحقائق ، فإن الله لا يغلبه شئ ، فمن ذكّر عباد الله ، ودسهم إلى حضرة الله كان حظه كبيرا عند الله . ومن دلهم على غير الله فقد غشهم وكان مهانا عند الله ، وإذا وقع السلام على الفقراء ؛ فإن كانوا سالكين غير مشتغلين بالذكر